وثائقي إسرائيلي | اليهود الشرقيون في إسرائيل الضائقة و الانقلاب السياسي

وثائقي إسرائيلي | اليهود الشرقيون في إسرائيل الضائقة و الانقلاب السياسي

ترجمة: مالك سمارة
أخبريهم يا أمي…
ألّا يعيدوا تأهلينا
! ألّا يعيدوا تأهيلنا أبداً
! أن يعيدوا تأهيل أنفسهم أوّلاً
أنظر إلى الحي.. أنظر إلى الناس
تنقّل من بيت إلى بيت
واسأل: ما الذي ينقصكم ؟ الكثير –
الناس هنا ليس لديهم مستقبل ليست لديهم خطة حياة
هل تعرف معنى العيش من دون خطّة؟
!المغنّي: ألّا يعلّمونا الصهيونية الأشكنازية
نحن عدنا إلى أرض بلا شعب
والشعب المقسّم والمفتَّت ! هو ليس بشعب
وعلينا إذن أن نعيد بناءه من جديد
كنت أدرك أنني ذكي غير مغفّل.. وأفهم جيّداً
..لكنّ هؤلاء من خلال أساليبهم
أوصلوني إلى مستوى تفكير ظننت عنده أنني لا أساوي شيئاً
(خطاب الاستقلال) في أرض إسرائيل قام الشعب اليهودي
وفيها تشكلت هويته الروحانية والثقافية والسياسية
ولم يتوقف عن الصلاة والأمل بأن يعود إلى أرضه
وأن يجدّد بالتزام حريته السياسية
..أن يعود ويبقى
ثيودور هرتزل أعلن عن الشعب اليهودي من أجل نهضة وطنيّة بأرضه
المحرقة أثبتت من جديد الحاجة لحلّ مشكلة الشعب اليهودي؛
إقامة دولة يهودية بأرض إسرائيل
حقّه الطبيعي للشعب اليهودي ككلّ الشعوب
دولة إسرائيل ستكون مفتوحة أمام الهجرة اليهودية
مساواة ثقافية وسياسية في الحقوق
نمدّ يدينا للسلام أيها الجيران الطيبون؛ تعاون مشترك ومساعدة متبادلة
مع الشعب العبري المستقلّ على أرضه
إســـرائـيــل الـــثانـيــــة 1981-1959
الانبعاث الخــمــســون ســنــةً الأولــى
جذور الاحتجاج العرقي الذي اندلع في السبعينات تكمن في حيّ المصرارة في القدس
لئوربن هابرجيل أحد مؤسسي الفهود السود
جاء إلى هذا الحي مع طلائع الهجرة الكبرى من المغرب في مطلع الخمسينات
الدخول إلى المصرارة من خلال شارع الأنبياء
أوقفني أمام صورة مدهشة؛
الحواجز.. مضادات الدبابات.. مواقع الجيش
أدرك الكبار أن ليس لديهم مكانًا آخر ليعودوا إليه
هذه دولتهم.. وهذا مكانهم وهنا ضربوا أوتادهم
الحدود كانت بمحاذاة المنازل
كنت أعلم أن معظم جنود القناصة** كانوا رابضين فوق رؤوسنا في الأعلى
وإن كانت ستصيبني رصاصة؛ فهذا كان سيريحني من مهمّة توفير الخبز
لأنه لم يكن ثمّة خبز أصلاً ولا عمل.. ولا أي شيء
في غياب هياكل استيعاب ملائمة
تحوّلت المصرارة إلى مركز ضائقة وفقر
الضائقة هنا كانت شديدة جدّاً
حتى إن الأولاد الصغار حاولوا مساعدة ذويهم
فسرقوا الخبز وحوكموا في المحاكم
حوالى 20% من أطفال الحيّ فُتحت لهم ملفّات لدى الشرطة على أمور صبيانيّة
أمور لا تتعدى اليوم كونها شقاوة أطفال
لكن في حينها كانت تلك المشاكسات بمثابة حرب بقاء لأولئك الأطفال
سياسة مؤسسات الاستيعاب دُشّنت في البداية**
من أجل تعبئة الأحياء والقرى العربية التي أفرغت في حرب النكبة
المهاجرون وُضعوا بكثافة وعلى عجل
في بيوت ما زالت آثار الحرب عالقة بها
الييشوف الصغير ذو ال 600 ألف نسمة لم يكن قادراً على الاستيعاب
ألف مهاجر في اليوم؛ موجات الهجرة تلك كانت تجرفنا
لو قال أحدهم إنه كان هنالك تخطيط لتجميع هؤلاء الناس وتسكينهم
فهو يتحدّث من مخيّلته
لم يكن هنالك أي تخطيط لا يمكن وضع مخطط من الأساس في هذه الحالة
المهاجرون في المصراراة بمحاذاة المنطقة المحرمة
شعروا أنهم يعيشون داخل غيتو
صعوبات اللغة العبرية والاختلافات الثقافية
تركوهم ساخطين على نظام الحياة الذي أداره بالقرب منهم المولودن في البلاد
هل تعلّمت؟ نعم.. وأنهيت تعليمي
واستقبلوني برحابة كبيرة في البيت حينما أنهيت تعليمي
الحديث عن التعليم هو أمر مضحك حقاً
لأنه لم يكن هنالك تعليم حقيقي في حي المصرارة لم تكن هنالك مدارس
الحي كان معزولاً إزاء الخارج
ولم يكن لدينا اتّصال مع الأشخاص الخارجيين
وأنا أقصد بالخارجيين حتّى أولئك القاطنين على بعد 200 متر فقط في شارع يافا
شارع يافا هذا كان بالنسبة لنا بلاداً أخرى
في تل أبيب تسود مسلكيّات المدينة الحضارية الحديثة وتتحوّل إلى أمور روحانية
بينما كانت الفجوة بين المهاجرين الجدد من أوروبا وبين القدماء تكبر وتتسع
اتّسعت الفجوة بين المزراحيم والأشكناز (يهود الشرق ويهود الغرب
نتاج التكامل المدمر بين الفجوات الاقتصادية والعرقية
لم يكن كافياً لتوثيق الضائقة في الأحياء البعيدة عن أعين الجمهور
وكما يظهر في هذا التوثيق هنا في يافا فقد ألقوا اللوم على الضحية؛
هذا هو حال يافا
حي الفقر والقذارة والجريمة كواقع كلّ أحياء المهاجرين في إسرائيل
معظم الأولاد هنا لا يحظون بتربية تثقيفية مناسبة
لأن بيوتهم ليست بيوتاً وأهلهم غير مؤهّلين لتعليمهم
وعلى ذلك فإن التسيب والجريمة جاءت من أهاليهم وتربيتهم
في حي وادي صليب في حيفا الحمراء
أصبحت المعادلة ثابتة
الفقر يستحق الشرقيين والشرقيون يستحقون الفقر
خمسة عشر ألف إنسان معظمهم من المغرب عاشوا حينها في وادي صليب
أحد أكثر الأحياء فقراً وازدحاماً في البلاد
في إحدى الفترات على سبيل المثال كانت العائلة ذات ال 15 نفراً تحصل على 2 كيلو لحم
كانوا لا يعملون… ومن أجل أن يعيشوا
باعوا ذلك اللحم إلى الأشكناز الذين كان لديهم ولد واحد في العائلة
أمي على سبيل المثال باعت اللحم لطبيب العائلة الذي كان لديه ولد واحد
إذن هم أخذوا اللحم الذي أعطي لنا جميعاً ومقابل ذلك تلقّت عائلتي أجراً ضئيلاً
من أجل أن نتمكن من الحصول على الخبز
(في سن الخامسة عشرة كان (ميمل مساعداً في استوديو التصوير المحلي
ومنذ ذلك الحين كان يوثق حيّ وادي صليب الذي عاش فيه
الذي كان حيّ الطبقة الوسطى العربية في حيفا
..أنظر كيف كنت
هذا أنا أنظر كيف كنت ذات مرّة
هذه الصورة الثامنة في وادي صليب
الناس عاشوا داخل غرفة واحدة تسعةَ أشخاص أحياناً
الأكل ليس أكلاً والحياة ليست حياة
تمنّوا أن يقدم أحدهم يد العون لهم أن يوفّر لهم عملاً
هم أرادوا أن يسمع الآخرون صوتهم فحسب أن يلتفتوا إلى معاناتهم
أهالينا اعتقدوا بكامل يقينهم أنهم جاؤوا حتى يكونوا شركاء في العمل
وهكذا خدعوهم
هم ليسوا شركاء ولا أعضاء ولا حتى أصدقاء
لا شكّ أنه خلال سنتين من وصولنا هنا
أصبحنا نحن آباء آبائنا يقصد هرمنا أو أصبحنا نحن من يعيلهم*
لكن لا شكّ أن ذلك كان الشفق الأعلى
هذا كان تجلّي الرب أمامك.. إلى جانبك
:احتفالات العشرية الأولى المجتمع الإسرائيلي جذل فرحاً بالإنجازات
المغامرة الجريئة لإقامة الدولة أصبحت حقيقةً الآن
عدد السكان تضاعف ثلاث مرّات خلال عشر سنوات
الأمر الذي لم يكن له مثيل في العالم
تسارعت عمليّة التطوير الاقتصادي
بنيت عشرات آلاف وحدات السكن ودشّنت مشاريع كثيرة
لكن الفعاليات والاحتفاليات الراقصة في الشوارع الرئيسية في المدن الكبيرة
لم تصل إلى مساكن المهاجرين مدن التطوير وأحياء الضائقة
مشاعر الإحباط في وادي صليب ستتفجر بقوة كبيرة بعد سنة من ذلك
أتذكر أنه كان هنا 300 إلى 400 رجل كلهم جنود.. وفي العشرينات
كانوا دائماً يبحثون عن المشاكل** لم يكن لديهم ما يفعلونه
كانوا حانقين وغاضبين دائماً
لم يعملوا لم يكن لديهم طعام
كانوا يبحثون عن يوم عمل كامل من أجل أن يأكلوا شيئاً
الوضع في الوادي كان مشتعلاً
في إحدى الشجارات اشتبك أحد العاطلين عن العمل
(اسمه (الكريف
أحد رجال الشرطة الذين هرعوا إلى المكان ألقى ب (ال كريف) للحجز
في الليلة ذاتها اندلعت أعمال شغب في وادي صليب
هوجمت سيارات الشرطة
هرعت بعض القوات لقمع أعمال الشغب بعد وقوع خسارة في الأملاك
في غضون ثوان قليلة خرج الناس من كل الأنحاء من كل المنازل
كما لو أنه يوم الاستقلال
هرع الناس إلى الشوارع كلهم جاؤوا ليروا ما حصل لـ (ال كريف) هناك
لا قانون في الدولة إذن سنقتل الشرطة هكذا هتفنا يومها
لقد حوّلوا الأمر إلى ما يشبه الحرب أطلقوا النار وقطعوا المياه والكهرباء
فجأة جاء أحدهم وقال: أين أنتم أيها المغربيون إنهم يقتلوننا
وبدؤوا يفتحون الشبابيك ويصرخون: إنزلوا إنزلوا
وحينها بدأ كل شيء
بعد بضعة شهور بالضبط توفّي هذا الشّخص
بسبب الضربات التي تلقاها على رأسه
هناك صور لي تمت مصادرتها
في صباح اليوم التالي انتشرت قوات الشرطة ضمن عملية فرض حظر التجول
تكتّل شمال أفريقيا الذي جاء قبل وقت قصير من ذلك
أعلن في كنيس رمبم عن إضراب عام
المتظاهرون الغاضبون تجاوزوا حدود الحي
وهاجموا في الطريق مركزاً للشرطة
وفرّغوا غضبهم في نادي الهستدروت
ثلاثة وأربعون شخصاً من سكان الحي اعتقلوا
وأصيب 16 شرطياً
التمرد المغربي الأول -هكذا سمّيت أحداث شغب وادي صليب-
ضرب إسرائيل المؤسسة حديثاً بصدمة
الصورة التي علّمت في الذاكرة (كانت لشاب اسمه (بيسو
الذي خطا وبيده علم ملطّخ بالدم وقد كتب عليه: يا ملك المغرب.. أعدنا من جديد
هذا هو بيسو *
نعم أنا أتذكر.. في الصحف المغربية كانت صورته مع العلم
ذلك كان رمزاً بالنسبة لنا
اعتقلوه هو أيضاً لأنه رفع العلم
هو لم يلقٍ الحجارة.. لم يفعل شيئاً لكنهم طردوه من العمل وخلقوا له المصاعب الآن
لديه وصمة لأمر ما لا أعرف كيف أصفه أمر ما عنيف.. وما إلى ذلك
مع انتهاء أعمال الشغب تشكّلت لجنة تحقيق
اللجنة لم تجد دليلاً على الاتهام بأن ثمة هيئات سياسية تقف وراء أحداث الشغب
القائم بأعمال اللجنة القاضي الصهيوني فضّل البحث في الضائقة لاقتصادية
والشعور بالحرمان والتمييز الذين قادوا لانفجار الأمور
وجدنا أن الخطر كان قابلاً للاشتعال أن المشكلة كانت قائمة
وبينما كانت اللجنة مجتمعة
كتب بن غوريون للقاضي الصهيوني رسالة عن قادة أعمال الشغب
ووصف فيها أحد قادة المظاهرات في الرسالة بالحرامي وسمسار العاهرات
لن يحظى بتعاطف المجتمع الأشكنازي
لكن من خلال لجنة بدائية قد يتحقق أمر كذلك
بن غوريون أعطى شرعيّة لنا **
ملطخون بالدماء بلا ثقافة.. وبلا تاريخ
هذا كلام لا يقال حتّى في البدائيين لكنّه قيل في حينها بكلّ حرية
موجة أعمال الشغب الأولى كانت عفوية
في الموجة الثانية كان ثمة شعور بوجود طرف منظّم
دافيد بن هريش كان القائد المغربي الأول
الصوت الأول لإسرائيل الثانية الذي صدح علناً
هذا هو دافيد بن هاريش* يقول: بدلاً من أن يقوموا بتفتيش الأماكن**
كان هناك قرار حكومي وما زلت أذكر أقوال بن غوريون
هو قال: اقمعوا بقوة وحينها بدأ القمع
القمع تمّ بصورة قاسية ووحشيّة
وكأن الأمر يتعلق بعدو خارجي
نحن كنا غرباء.. لم يتعاملوا معنا كأشخاص إسرائيليين يهود
بن هروش نفسه أُرسل إلى السجن لمدة عشرة شهور
الاحتجاج اعتُبر نشاطاً لتنظيمات إجرامية ليس لديها قابلية للتكيف
ورغم اعتقال القيادات والقمع الواسع ظلّ الاحتجاج آخذاً بالاتساع
في انتخابات 1959 التي عُقدت بالقرب من أعمال الشغب في وادي صليب
شُكلت 11 قائمة عرقية
واحدة منهم كانت برئاسة دافيد بن هروش
لكنّ أيّا منها لم يعبر نسبة الحسم
أحداث وادي صليب لم يتركوا حتّى خدشاً واحداً على وضع مباي
بن غوريون جلب لحزبه الفوز الأكبر في تاريخه
:تخلّى مناحيم بيغن عن الموضوعات التقليدية
ضفّتان على الأردن
ومعارضة التعويضات من ألمانيا
وركّز على الضائقة الاجتماعيّة ومشاعر التمييز
هنا كان يقف بيغن في كلّ سنة مرّتين تقريباً
كانت الجماهير تقف هنا بالآلاف وعلى الأسطح حينما كان يخطب
هذا المكان الذي كان يقف فيه بيغن
هو ألهب الناس أحبّهم
هو كان بالفعل واحداً منا
بيغن المعارض الحثيث تعرّف إلى ضائقتهم واخترق الشعور بالعزلة الذي أحاطهم
أنت تستحق بيتاً ذا عشر غرف يقلد بيغن*
رأيت الناس وشعرت بالخجل
لأن لغة كتلك كانت تخاطبني
أنا اشمأززت من ذلك
أنا شعرت بمهانة فظيعة
والناس كانوا يهتفون: بيغن بيغن ونحن بعد في 1959
في 1963 حينما حاولوا إخلاء سكّان حي (تسومي) في شمال تل أبيب
رفض السكان قبول الحكم واحتجّوا
أعمال الشغب في سومي قُمعت بيد من حديد
رجال الشرطة أسكتوا أصوات المعارضين
في النهاية أجلي السكان وهدمت بيوت الحي
وعلى تلك الأرض الثمينة أقيمت بيوت للأثرياء
البناية الشاهقة لهستدروت العمال بالقرب من الحي
كان يقف ساخراً من المشهد
في أعقاب أحداث وادي صليب
تم في أواخر الخمسينات تخصيص ميزانية لإخماد الحريق الاجتماعي
لكن رغم ذلك ما زالت الخطط الرّسمية الكبيرة :تقف على رأس سلم الأولويات
تجفيف الحولة
والمشروع الأكبر: مضخة المياه الوطنية
مع إتمام ذلك المشروع أصبح ممكناً تأهيل المناطق المهجورة
خصوصاً في النقب
أُطلق على ذلك: توزيع السكان
وعلى المناطق: مدن التطوير
فكرة مدن التطوير تمّ ابتكارها على الطاولة من أجل إنشاء نقاط تجمع سكانية
كاستجابة للمتطلبات الأمنية ولخلق تواصل جغرافي يهودي
المدن التي تمّ إنشاؤها من العدم
موزّعة بلا منطق ولا دراسة لظروف المكان
بن غوريون رأى فيها مدن المستقبل حسب رؤيته
أو على الأقل: تجسيد فكرة الهتيشفوت الاستيطان *
المهاجرون الجدد من شمال أفريقيا أرسلوا إلى مدن التطوير ومستوطنات رهط
أماكن بلا بنى تحتية وبلا أفق للتطوير
من أجل حلّ مشكلة التّوظيف في مدن التطوير؛
عمدت السلطات إلى إقامة مصانع بشكل سريع
كلّ فكرة كلّ مستثمر استقبلوا بصدر رحب
في مدن التطوير أقيمت مصانع للمنسوجات والمواد الغذائية
مصانع ذات كثافة أيدي عاملة كبيرة
لم تتوفر لديهم المهارة المهنية المطلوبة
الأجر القليل وضآلة فرص التقدّم المهني
فاقم الشعور بالمرارة
أيتسيك بن لولو جاء مع عائلته من المغرب إلى (بيت شآن) مباشرة
معنويات والدي كانت سيئة جداً جداً حينما وصلنا إلى البلاد
على عكس الأحلام الكبيرة التي كانت تراوده في المغرب
هو انضم إلى مصنع كيتان وهناك أشغلوه في أعمال شاقة
كان يحمل الكثير من المنسوجات
ويعمل بمعاناة كبيرة وأنا أذكر أنه كان يبكي أحياناً
أمي أيضاً كان يتوجب عليها العمل من أجل تقديم المساعدة للعائلة
أن تعمل امرأة فهذا أمر مهين بالنسبة للمغاربة
لكن أمي ذهبت إلى العمل أيضاً في كيتان
وأبي تقبّل الأمر لأنه لم يكن ثمّة خيار آخر
أحياناً كان يعمل في الصباح وأمي في المساء
هو يعتني بنا صباحاً هي مساءً لم يلتقيا كثيراً
يمكن القول إن بيتنا أدار نفسه بنفسه
المال لم يكن وفيراً في الواقع الرؤساء في العمل كانوا أشكنازاً
هم أيضاً كانوا مهاجرين جدد
لكنهم لم يعرفوا القراءة والكتابة ..ولم يعرفوا الحساب
كان والدي يحكي لي: نحن كنّا نعتل ورؤساؤنا لا يعرفون كيف يجرون الحسابات
أنا كنت أجري لهم الحسابات كنت أكتب لهم كنت أفعل كلّ شيء ورغم ذلك كانوا رؤسائي
بعيدين عن المركز؛
تُرك سكّان مدن التطوير مقطوعين بلا فرصة للاندماج
مولودو هذه البلاد جاؤوا إلى هنا فقط في مهمّات معيّنة؛
كنت أرى فقط رمالاً ورملاً يميناً وشمالاً
وهنا بن غوريون نفسه
أعتقد أن تمثاله المطل على هذه الرمال هو ذو دلالة ما؛
:يخطر في بالي أن أسأله أهكذا صوّرت لنفسك ييشوف النقب
باتيا غور أُرسلت إلى مستوطنية أوفكيم كمعلمة مجنّدة باتيا غور كانت تتحدث قبل قليل*
المعلمون ذوو الخبرة لم يقبلوا التعليم في المدن النائية
الحلّ لمشكلة التعليم كان بتشكيل وحدة معلّمات من المجنّدات
كلّهن كانوا في ال 18 من عمرهم وقد دُرّبوا على عجل لهذه المهمّة
المعلمات كنّ دائماً من الخارج غريبات عن المكان وأهله وأعرافه
المهمّة كانت بالنّسبة لهم محطّة عبور فحسب
لم يكن هنالك عمل مشترك
كانت ثمة رعاية في الواقع من قبل موظفة جديدة* عندما أتيت كنت في طاقم الموظفين كان عليّ أن أعرف أكثر مما تعرف فتاة في ال 18 من عمرها كنت مع الراعيات.. فتاةً صغيرة تتحدّث إلى أمّ لستّة أو سبعة أو ثمانية أطفال وتخبرها عمّا يتوجّب فعله مع الطفل ما زلت أذكر وجوه كلّ العائلات وكلّ الأطفال الذين علّمتهم هنا بصورة وجوه ضائعة الشاعر أريز بيطون يقرأ من كتابه المستشارة المغربية
زهراء الفاسية المطربة الرئيسية لمحمد الخامس في رابات بالمغرب
اليوم بوسعنا إيجادها في أشكلون
في عتيكوت ج
إلى جانب مؤسسة الإغاثة
بقايا علب سردين على طاولة تترنح على ثلاث أرجل (يصف بيتها)
سجاد ملكي مذهل** !مفروش على سرير للوكالة
في ثوب نوم بهيّ ساعات أمام المرآة وبمكياج رخيص
..تجلس زهراء الفاسية
هذا يحيّرني؛ من كان أحد الممثلين لإسرائيل الأولى
لم يقف على جزئيّة أن نتعلم نحن منهم من منطلق التعلّم عن العالم
بل أن يتعلّموا هم عنّا عن عالمنا الخاص
أنجبوا اثنين ثلاثة أو أربعة أطفال
وستتلقون سكناً من صالة ومطبخ وغرفتين صغيرتين
أنجبوا أربعة خمسة ستة أطفال ستحصلون على تهنئة واحترام الأقارب
!فأنتم تحبّون الأطفال
في اليوم الثاني لي في البلاد
تجوّلت في حيفا مع أختي الكبيرة
وفجأة سمعت موسيقى وكأنها نزلت من السماء
اليوم جميل
رفعت عيوني إلى الأعلى لأرى من أين تأتي هذه الموسيقى
تلك الموسيقى الحزينة التي توجعك من الداخل
تألمت لمدّة نصف دقيقة لقد ألهبتني بشدّة
جاءتني تلك الموسيقى فجأة وبعيداً عن البيت
وحينها سألت أختي: من أين تأتي هذه الأصوات؟
وعندئذ أشارت إلى نوافذ صغيرة تنسدل منها خيوط علّقت بها علب من الصفيح
وقالت لي
الأشخاص الذين علّقوا تلك العلب هم سجناء؛ سجناء يهود مغاربة
وهذه الصناديق لكي يضع الناس فيها ما تيسّر من السجائر الحلوى العملة
:وأنا أذكر أنني لم أستطع تقبل ذلك
أن يكون في أرض اليهود يهود مغاربة موجودون في السجن
قلت حتماً حدث هنا سوء تفاهم فظيع
المهاجرون رموا الثقافة الشرقية عميقاً في أنفسهم
واضطروا للتأقلم مع الثقافة الإسرائيلية الجديدة
هذه الثقافة التي بينت من هو الإسرائيلي بحق
ومن لم يكن من الإسرائيليين كذلك فعليه أن يصبح كذلك
هو سيصل إلى ذلك أنا سأساعده أن يصل
!أنا سأعلّمه أن يصل
لكن أظل أنا الإسرائيلي بحق
الجامعيون أدركوا أن عليهم أن يعلموا المهاجرين من جديد
وأن يمحوا كلّ ذكرى لماضيهم في الشتات
في الأفلام الدعائية عادوا مجدّداً لتصوير الإسرائيليين الجدد
حتّى لبّت النتائج التوقّعات الموضوعة
على أرض الواقع أيضاً؛ كان الهدف استقرار المهاجرين من جديد
ليس عبثاً غنينا أغنية بياليك
:لكن الكلمات كانت
لن توقفنا جثث الفاشلين الذين ماتوا في عبوديتهم
سنخطو على المساحات الفارغة
وليموتوا بخزيهم
كلمات قاسية جدّاً لبياليك
وغنينا ذلك لأننا أدركنا أن ثمّة كلام مضلل يقصدنا نحن
نحن جيل رمى أهله وتقاليده وثقافته ومعتقداته هناك في الصحراء
وهنا نحن نبدأ كشعب جديد
أنت تريد أن تكون إسرائيلياً-عبرياً تحدّث العبرية
لأنه يوجد إنسان جديد في إسرائيل مسيطر ودكتاتوري
ويشعر تجاه كل قادم جديد أنّه ليس ذا رائحة عفنة فحسب
بل بدائي أيضاً
بحر القمح حولنا
على موجاته أبحرت الريح
آلاف الابتسامات أرسلها لي الربيع
يبدو أنه يقول أنا أكره هذه الأغنية**
تشعرني بالقرف
لماذا؟
لأن هذه الأغاني لا تتحدث عن واقع الأشكناز
بل بالأحرى تتحدث عن واقع كيف كان الأشكناز يريدون أن يروا أنفسهم
الأشكناز خلقوا صورة للشرقي وفق رؤيتهم الخاصة
في فيلم (صالح شباتي) توجد عبارة حادّة تنتقد هشاشة مؤسسة الاستيعاب
لكن صورة المهاجر الشرقي متأثرة بالصورة النّمطية عنه في تلك الفترة
كصورة شخص بدائي وفاشل
رغم الطبيعة العنيدة لصالح الذي ناضل من أجل الحصول على سكن؛
تنجح مؤسسة الاستيعاب في نهاية الأمر بترويضه
الطاعة للمؤسسة ولسلطة الاستيعاب التي وصمت جيل الآباء
أيقظت مشاعر الغضب والإحباط
غضبت بشدّة على والدي
وكرهته ربّما
كرهته لأنه لم يكن.. رجلاً
ولم يقاتل من أجلي ومن أجل كرامته
هو كان مستعداً أن يكون لنقل.. مدعوساً عليه
من أجل أن يعيش الأولاد
ليس مهمّاً بأي صورة يعيشون
لكن بعد أن استقال !قلت في نفسي أي أب شجاع حظيت به
أحد الأخطاء الكبيرة التي اقترفناها بسبب جهلنا
لا بسبب الحقد
لأننا لم ندرك جيّداً البناء الأبوي لليهود من بلاد الشرق
حيث أب العائلة ابن السبعين
وأبناؤه الأربع خاضعون لسلطته وولايته
نحن بنينا هذا الأب العجوز ليس من منطلق خبيث
بنيناه لإحداث تحوّل اجتماعي وفرّقنا البناء الأبوي للعائلة
بعد كلّ ما قلت أظن أن عملية الهجرة والاستيعاب في سنوات الخمسينات
كانت العملية الأكبر من نوعها التي أنجزتها إسرائيل منذ قيامها
الأكبر والأهم رغم أنه شابها بعض القصور والأخطاء هذا مما لا شكّ فيه
جيل الآباء اعتبر جيل الصحراء
! جيلاً ضائعاً
لكن ستأتي الحقبة التي سيجسر فيها جيل الأبناء الفجوات
عندما أنهيت الابتدائية وأردت أن أدرس في الثانوية
أدركت أن أهلي لن يتمكنوا من دفع الأقساط مئير شطريت: ليكود ثم تنوعاه شغل عدة وزارات*
لذلك عندما بدأت في سن ال 12 (أتعلم في الصف (ت
لأنني اجتزت بعض الصفوف في الابتدائية
كنت مضطراً للعمل
كنت في مدرسة خارجية؛ وكلّ يوم بعد انتهاء الدروس
كنت آتي إلى يافنه في الساعة الرابعة
ألبس ثم أخرج للحقل
بعد فترة بنيت على ذلك الحقل- -حيّاً سكنياً كانتقام
وكنت أصنع هنالك الأطباق وأحفر وأسقي الأشجار
أعمل من ال 4 حتى ال 8 كلّ يوم
كنت أصل البيت ليلاً. استحمّ أدرس وأنام حتى أفيق في السادسة صباحاً
استطعت أن أفعل كلّ ذلك لأنه كان ثمّة أمر ما قوي في داخلي
دفعني نحو التعليم
وأهلي أرادوا بشدّة أن أتعلم
لكن الكثير الكثير من أصدقائي سقطوا في الطريق
لم تكن لديهم أي فرصة لإكمال الثانوية من دون دفع الأجور
عندما عاد أبناء مدن التطوير من الخدمة في الجيش
وقفوا أمام واقع من الفقر والبطالة
هذا الوضع فاقم المشكلة الاقتصادية الكبيرة
في حقبة الركود التي سبقت حرب الأيام الست
في ظلّ هذا الوضع الحرج تتفجر المعركة
تلك كانت المعركة الأولى التي يشترك بها أبناء مهاجري الخمسينات والستينات
القتال في صفوف جيش الشعب
كان من المفترض أن يعطي لأبناء المهاجرين بطاقة الدخول للمجتمع الإسرائيلي
الطرق التي اختصرها النصر والازدهار الاقتصادي الذي تبعه
سيحلّان -ولو جزئياً- إشكاليات الفجوات والعزلة
ولكون الجيش والأمن هما الأساس؛ فقد نحّيت المسائل الاجتماعية جانباً
ومعها مدن التطوير والأحياء
عمليّاً؛ ابتعدت الحدود عن مصرارة
لكن أصداء الاحتفالات سمعت فقط من بعيد
الحيّ تُرك جانباً
الحيّ الفقير الذي أصبح أرضاً خصبة للجريمة والمخدرات
هكذا كان الأمر: لا يمكن المضي قدماً برايتين
:نمضي فقط براية واحدة إما الاجتماعية أو الأمنية
ولأنهم حملوا راية الأمن
أصبح نضالنا شرعياً
في مارس 1970
انفجر فتيل القنبلة
الاضطرابات باتت مظهراً يومياً
وأخذت يزداد حدّةً واتساعاً
ولم يكن ثمّة شيء يستطيع إخمادها
كنّا نعيش كالمعاقين
مجرّد أفريقي.. ماذا لديه ؟
ليس لديه نواد ولا هياكل تعليمية ولا أي شيء
لكنّك لا تحتاج أن تكون ذكيّاً لتشعر بألمك
نحن تحرّكنا من واقع ألمنا
بتأثير موجّهي عصابات الشوارع في القدس
اتّخذت هبّة شباب مصرارة اتّجاهاً سياسياً
شارلي بيطون تحوّل من ابن شوارع إلى واحد من قادة الفهود السود
كان رجلاً قاسياً صعب المراس
وحمل نظريّة نقيّة لم يغيّرها
..واختبأ في شارع النقب فترة**
لم يخطر له الخوف ببال
وكلّ ما فعله في تلك الليلة
:هو الحفر على الجدران بأحرف كبيرة العنف هو صوتنا
شارلي بيتون وبن هابرجيل ورفاقهما
اعتمدوا اسم الحركة الأمريكية التي قاتلت من أجل حقوق السود؛
الفهود السود
وواصلوا الاحتجاج
العنف ميّز حركات الاحتجاج المختلفة في أنحاء العالم خلال تلك الفترة
الطلاب اصطدموا في الشوارع مع رجال الأمن
بهدف هزّ نظام العالم القديم والفاسد
حزبا اليسار في البلاد؛ سياخ وماتسبين انضمّا إلى نضال الفهود السود
وأعطيا لمشاعر الإحباط ولضائقة شباب مصرارة صياغةً مفاهيمية**
رأيت ذلك كتمييز عرقي
.لا تمييزاً طبقياً فحسب
بنظري مسألة العرق والطبقة تكاملا سوياً
لكنّ الآخرين لم يعترفوا بذلك حتى ظهرت حركة الفهود السود
ورسّخوا الحقيقة القائلة بأن من يتعرضون للتمييز هم بالإضافة للعرب الشرقيون أبناء الشرق نفسه
ليس ملّاك البيوت الذين سيدفعون هذا الفرق**
أنتم ستدفعون
العلاقة بين الفهود واليسار؛ وذكريات الهبّة العنيفة لوادي صليب
أشعلت الضوء الأحمر في حزب العمل
رؤوس الحكم كانوا عازمين على قمع التمرد العرقي
الفهود السود معظمهم أصحاب تهم جنائية
اعتبروا أنفسهم حركة احتجاج شرعية
عندما قرروا التظاهر ذهبوا حسب القانون وطلبوا ترخيصاً
الشرطة كانت مصرّة على رأيها ألا تسمح لأصحاب تهم جنائية بالتظاهر
كان ثمة خوف أن تتطور التظاهرة إلى عنف
قادة الفهود احتجزوا للتحقيق
أي وسيلة تبقّت لنا؟
أنا لا أستطيع أن أقول أي وسيلة تبقّت
لكن فكّروا أنتم أي وسيلة تبقّت؟
إذا كانت الطرق السلمية لا تفضي إلى نتيجة فما الذي تبقّى ؟
احتجاز القادة لم يمنع الاحتجاج
وبن هابرجيل الذي نجح بالاختباء من الشرطة؛
وجد نفسه يحمل العبء وحيداً في مهمّة: مرشد الجماهير
في الثالث من مارس 1971؛
كنت موجوداً بين الكثير من الناس
وسمعت الكثير من الناس تهتف باسمي
أنا أتذكر دان بن عاموتس وقف تحتي حافياً
وقال: يا أبو الشباب افتح فمك لتشعشع كلماتك
رفعت عيناي إلى الأعلى ورأيت رئيس البلدية تيدي كولك
وهو يصرخ: انزلوا عن الأشجار أيها الأشرار
(أُدخلنا إلى المجمع الروسي (المسكوبية
الشرطة أغلقت كل المعابر
هناك وقفت خيول ورجال شرطة مع هراواتهم
وسيارات رش المياه
تلك كانت المرة الأولى التي أقف فيها أمام هذا الكم الهائل من رجال الشرطة
صارمين جدّاً وفي بريق أعينهم يظهر أنهم تلقّوا أوامر بتكسيرنا
ربّما يقول: بعد أن أشبعوه ضرباً**
خرج شرطي مغربي وقال إنهم يقتلونه فلتفعلوا شيئاً
فيجيبون بتهكم: يا لحزننا.. انقلوه
!كيف تستطيع يد يهودية في دولة إسرائيل.. في القدس
أن ترمي زجاجة مولوتوف وتحرق المباني؟
نحن نفخر بأن القدس موحّدة
مع وجود عدد من السكان العرب فيها
ورغم ذلك تكون هادئة في العادة
هي قالت عنا عن الفهود السود هذه يد تعبث بنا من الداخل
لماذا؟
نحن إجمالاً في مظاهراتنا لم نقل اذبحوا اليهود.. أو الأشكناز
نحن قلنا: يكفي تمييزاً يكفي فقراً طلبنا حقوقنا بالمجمل
بينما كانت الحكومة مزعزعة من احتجاجات الفهود؛
حظي المهاجرون الأوائل من الاتحاد السوفييتي باستقبال حميمي
الاهتمام الكبير الذي حظي به اليهود السوفييت والامتيازات الحزبية التي منحت لهم
أوصلت مشاعر الإحباط والمرارة لسكان مدن التطوير إلى أبعاد جديدة
وقد عبّروا عن ضائقتهم من خلال مظاهرات واسعة جداً
مؤسسة الاستيعاب استمرّت بتجاهل حجم المشكلة
مطلوب منا الكثير من الصبر
الكثير من حب اليهود ومن حبّ الوطن
حتّى نتغلّب على المشكلة
أن نتجمّع ونتوحّد مجدّداً في عائلة واحدة
هي أيضاً تعجّبت؛ أي وقاحة كانت لنا حينما ادّعينا وجود تمييز عرقي
:لكن هي فضحت ذلك بنفسها حينما قالت
عندي في البيت السائق يمني الطباخة يمنية !والخادمة يمنية إذن أين التمييز
التظاهرات المستمرة دفعت غولدا مائير لدعوة قادة الفهود السود للقاء في مكتبها
مجموعة من عصابات الشوارع يجتمعون برئيس الوزراء
يتوصّلون لاتفاق وتصافح بالأيدي أننا لن نتحدّث إلى الصحافة حتى موعد اللقاء القادم
نحن التزمنا بوعدنا لأننا كبرنا داخل عالم الجريمة وكلمتنا ذات قيمة
لكن عندما وصلنا إلى البيت وفتحنا المذياع سمعناها تقول: هم ليسوا لطفاء
هل أبدو لك غير لطيف ؟
هم يبدون لي تشخ تشخيم زعران.. حثالة ؟**
ولذا لم يحرّكوا بداخلي أي تضامن أو عاطفة
في مقابل ذلك؛ عندما خرجوا من عند غولدا ووصفتهم بغير اللطيفين
فجأة استوعبت الفجوة الهائلة في سوء الفهم عندها
وعندها أدركت أنها لا تتحدث عنهم !بل هي تتحدث عني
وعن كل الشرقيين
!ألّا يعلّمونا الصهيونية الأشكنازية-
حركة الفهود السود كرّست الوعي أخيراً تجاه أزمة الشرقيين
غولدا كانت أول رئيس حكومة يطلب دراسة ضائقة الشرقيين كمشكلة مركزية للمجتمع الإسرائيلي
وبادرت لإنشاء لجنة لشبّان الضائقة
وبفضلها تمّ تخصيص موارد أكبر للتعليم وللخدمات الاجتماعية
كاستمرار لإجراءات إسرائيل المستمرة لحلّ مشاكل الفقر والبطالة**
فقد تم إنشاء لجنة رئيس الوزراء للأطفال والشباب الذين يعيشون تحت الضائقة
لا بدّ من متابعة المشكلة من الجذور من أجل تحقيق نقلة نوعية
سياسة الشؤون الاجتماعية للحكومة لم تحقّق غاياتها
وقد عمّقت الشعور بالدونية لدى الشرقيين
.الفجوة ازدادت عمقاً لدى الجيل الثاني
ناشطون في مدن التطوير بدؤوا ينادون بتنظيم سياسي
هم آمنوا أن ذلك سيحدث تغييراً في إجراءات التفضيل داخل الدولة
في (بيت شآن) أنشئت جماعة تامار
أعربنا عن احتجاجنا مثل الفهود السود
لكن بطريقة تفكير أكثر تنظيماً ومنهجيّةً؛
بصورة منطقية ومحترمة جلسنا وكتبنا بعض البيانات
كنّا ندفع من مالنا الخاص
كنا نرصّ البيانات ونقسّمها بيننا في الليلة ذاتها
حتّى تعلم بها بيت شان كلها في الصباح
نحن قاتلنا على ذلك لأنه لم تكن ثمّة أماكن عمل في بيت شآن**
بيت شآن كانت مسكناً للعرب
مثلما ينقلون اليوم عمّالاً من غزة؛ هكذا كان الأمر حينها
كانوا ينقلون العمال في رحلات متواصلة إلى الكيبوتسات
كلّ يوم هكذا تخرج نقلية عمال وتأتي أخرى
أهالي كيبوتس تامار عملوا في المصانع بروتينية مضنية
بلا طريق للتقدّم وبسقف دخل منخفض
في ظلّ هذا الواقع القاتم والإرادة لإحداث تغيير
شقّ (دافيد ليفي) طريقه؛
من عامل بناء انتقل ليصبح عاملاً في مصنع النسيج (كيتان) في بيت شان
بعد ذلك أصبح ناشطاً في نقابة العمال
وفي النهاية بات عنصراً بارزاً في حيروت وتقدّم بسرعة ليمثّل قوة سياسية
كان ممكناً إقامة الكثير من المصانع في مدن التطوير المحاذية للكيبوتس
بدلاً من تحويل مدن التطوير إلى مستودعات أيدي عاملة رخيصة للكيبوتسات
الكيبوتسات بتنظيمها الحالي وصلت إلى حالة من تراكم أرباب العمل
الذين ينظرون إلى سكّان بيت شآن بفوقيّة
كان ثمة بيت شان وثمّة كيبوتسات
والكيبوتسات كانت ترفاً بالنسبة لنا؛
تناولُ وجبة الإفطار في الكيبوتس؛ هذا كان بالنسبة لنا متعةً عظيمة
كنت أتحيّن الفرص لتناول الإفطار هناك؛
..مع كل أنواع الجبنة والخبز والشوكو
تلك كانت فجوة؛ فجوة لأننا في بيت شآن لا نستطيع فعل ذلك
لقد جاؤوا وأذهلوا حينما رأوا العشب
والعشب مشهد طبيعي بالنسبة لنا كلّنا نرى العشب
شقّتي كانت 35 متراً مربعاً
ورغم أنها لم تكن الضعف؛ إلا أن العامل الشرقي لم يضحك
لأن الجبص على جدار بيته تشقق
لكن حائطي سليم**
هذا خلق لديهم غضباً وحنقاً
أضف إلى ذلك أن مساهماتهم لم تقبل
تذكرين (التناخ).. ماذا حصل لمن لم تقبل مساهمته؟ لقد قام وقتل أخاه
المقاومة الشرقية بقيادة المغاربة أخذت بالتفشّي
التحوّل من الاحتجاج والتعبير عن الإحباط إلى النضال السياسي؛
عزز الاعتقاد أن القوة العددية للشرقيين قد تشكّل رافعة لإحداث تغيير في الخارطة السياسية
(كنت ضمن منظومة التظاهر في (يابنة لكنني اعتقلت
حينما وجدت أن النضال الذي أدّى إلى وقوع احتجاجات واعتداءات لم ينجح؛
وصلت إلى استنتاج؛ أنه لن نستطيع تغيير (يابنة) من خلال الاحتجاج
إذا كنّا نريد تغيير يابنة فعلينا أن نمسك بالسلطة
لم أكن أعرف ما هو الليكود وما هو المعراخ
في البداية توجّهت للمعراخ (العمل) ورفضوا حتى مقابلتي
وهكذا أصبحت عضواً في الليكود
ذهبت للانتخابات وانتُخبت بأغلبية مطلقة
كنت الممثل الوحيد في الليكود لمدن التطوير
:بيغن توجّه لي وحضنني وقال
هذا هو الشاب الذي جلب لنا أصوات أبناء (يافنة) الأذكياء
مؤشرات الانقلاب السياسي الذي سيحدث سنة 1977
ظهرت للمرة الأولى بعد الزلزال الذي ضرب البلاد في أعقاب حرب أكتوبر 1073
الأحزاب التي تم تشكيلها حينئذ خارج البرلمان قوّضت هيمنة حزب العمل
وكشفت وهنها
(التهديد الأكبر على المعراخ جاء من حزب (داش
الذي تأسس سنة 1976 وتطلع ليكون بديلاً
الحزب الجديد قوبل باحتضان كبير من قبل الطبقة الأشكنازية الأساسية
الصعوبات الاقتصادية التي ظهرت في تلك الأيام؛
كانت إيذاناً بانتهاء مبادرة سياسة الشؤون الاجتماعية
التي جاءت بفضل احتجاجات الفهود السود
الوعي السياسي لدى كثير من الشرقيين
وطّدت دعائم التحالف مع بيغن والليكود
حزب العمل والمعراخ ينبغي عليهما الذهاب إلى الشعب
لا أن ينتظروه هو ليأتي إليهم
يتوجّب عليهم النزول من حدائق ملاعب الجولف
ومن طوابقهم العلوية
هذا ما يتوجّب عليهم فعله إذا كانوا يريدون هتاف الجماهير
في انتخابات عام 1977؛
أطلق الشرقيّون العنان للغضب والخيبة والكراهية التي أكنّوها في نفوسهم تجاه حزب العمل
شمعون بيريس: ليس لديكم أي احترام ولا تربية
ردّاحون؛ سيئون؛ هؤلاء أنتم
أنا لا أعتقد أن الأمر يتعلق بقوة الجذب لدى بيغن بقدر ما يتعلق بقوّة التنفير لدى الطرف الآخر
للمرة الأولى ترى مجموعةً :وكأنها تقول لمباي
انظروا: استخففتم بنا؟ نحن سنقلبها على رؤوسكم
هنا اتّحد مستضعفو بولونيا مع مستضعفي المغرب
سمع كلّ منهما صوت الآخر فشكّلا اتّحاد المستضعفين
في انقلاب 77 تعاظمت قوّة الليكود من 39 إلى 43 مقعداً في الكنيست
المعراخ هبط هبوطاً مدوّياً من 51 إلى 32 مقعداً
مناحيم بيغن شكّل الحكومة الجديدة
:مناحيم بيغن اليوم حدث تحوّل في تاريخ الشعب اليهودي
وفي تاريخ الحركة الصهيونية
تحوّل لم نشهد مثيلاً له خلال 46 سنة
حزب العمل أصيب بصدمة
رفض قادتها أن يصدّقوا أن الشعب قرّر أن يزيحهم عن السلطة
يتسحاق بن أهرون: مع كلّ الاحترام لفكرة أننا خاضعون لقرار الشعب
فإذا كان ذلك بالفعل قراراً فأنا لست مستعدّاً لتقبّله
شعرنا بكارثة.. ما حدث كان كارثة
لقد وقع حدث تاريخي
باعتقادي أكبر زعيم في تاريخ إسرائيل على مرّ الزمان كان مناحيم بيغن. لماذا؟
لقد كان منقذاً
وبعد ذلك سادت التكهنات بأن أمه مغربية ووالده تونسي
خسارة أن يكون أشكنازيّاً !يجب أن يكون مغربياً
نجاح الليكود في الانتخابات لم تكن لحظة استرخاء
حتّى مقرّات مباي التقليدية وأفرع الهيستدروت في البلاد؛ بدؤوا العمل
نحن اتفقنا أن يكون العمال في الكيبوتسان وباقي المناطق أحراراً في التصويت لمن يريدون
لكنهم أجبروهم على التصويت في الحقيقة
وقالوا لهم: أنتم عمال البطاطس ستصوّتون بالقلم الأحمر
ونحن سنعدّ البطاقات
نريد عدّ عشرين بطاقة حمراء
إذا نقصت واحدة؛ فكلّكم مطرودون
أنتم عمال الجزر ستصوّتون بهذا القلم الأخضر
نحن أتينا إلى مركز الشرطة (سويّا مع ممثلي (المعراخ
وقلنا لهم لن تكون هنالك انتخابات في بيت شآن
ستعقد الانتخابات فقط إذا كان هنالك قلم واحد للتصويت
وبدون أية ألوان
:أمي جلست معي أياماً وليالي وقالت لي
يا بنيي أنت مش راح تقدر على المعراخ حيانة على وقتك وجهدك
ونحن واجهناهم بكلّ قوة وانتصرنا
للمرّة الأولى كان ثمّة هستدروت حقيقيّة
الهستدروت الوحيدة في البلاد كانت الليكود
وفي الليلة ذاتها ذهبت إلى أمي في البيت وأيقظتها
! قلت لها: إحنا مش قدهم اه
تفضلي
الإنجاز الكبير لبيغن
كان غرس الشعور بالانتماء للدولة لدى طبقات واسعة كانت مقتلعةً منها في السابق
الموسيقى الشرقية الشعبية ازدرهت
إذ قامت محطّات الراديو والتلفاز ببثها خلال موجات بث متفاوتة
الخصوصيات العرقية والعودة للجذور أصبحت شرعيّة وعلت على المسرح بكامل قوّتها
احتفالات الميمونة أظهرت الحاجة للحفاظ والاعتناء بالفلكلور العرقي المنسي
الأحزاب الكبرى احتضنتها لحشد المؤيدين والمصوتين
نحن معاً بوئام وإيمان وإخلاص سنبني بلدنا
مشروع إعادة بناء الأحياء كان المساهمة الرئيسية التي قدّمتها حكومة بيغن لمؤيديه
لكن الأرباح الرئيسية تلقّاها المهندسون والمقاولون
أسطورة الحد من الفجوات تحطّمت مجدّداً
إعادة بناء الأحياء لم يحلّ مشكلة الضائقة
الميزانيّات الرئيسية خُصصت للبناء في المستوطنات
مليون ليرة 420 استثمرت في هذا الييشوف
الذي يحتوي على 20 عائلة بحسب ادّعاء الفهود
وكلّ هذا على حساب أحياء الضائقة
في الساعة الواحدة؛ اقتحم 150 فرداً من الفهود السود ييشوف الازار
وحملوا أعلاماً سوداء ولافتات وعصياً
الحكومة وضعت سياسات لضخ ميزانيات ضخمة للمستوطنات هذا تشارلي بيطون*
ملايين.. مليارات
في حين لا توجد ميزانية في أحيائنا لا للشوارع ولا للتصدعات
أخلوا هذا المكان- نحن يبدوا أننا سنخلي المكان- في حين لا توجد ميزانية في أحيائنا لا للشوارع ولا للتصدعات
أخلوا هذا المكان- نحن يبدوا أننا سنخلي المكان-
في 1980 تحوّلت الاحتجاجات لتصبح ضدّ حكومة بيغن
التي وعدت بأن تعود على الشعب بالخير
لكن النتائج كانت تضخماً متفاقماً وإسرافاً في الاستهلاك
الطبقات المعوزة بقيت خارج دائرة الاحتفال
أبناء الخيام في القدس ونشطاء اليسار من حركة الفهود السود؛
احتجّوا الآن بعنف ضدّ بيغن وحكومته
في نهاية السنة ساد شعور بأن الليكود أُنهك تماماً
وأن حزب المعراخ سيعود إلى الحكم
عندما اقتربت الانتخابات انتقل التنافس بين الحزبين إلى الساحة العرقية
توجد مساواة وأخوة في إسرائيل لن يحصل تمييز في إسرائيل
……
كان لبيغن موقف رسمي
….
وأنا أذكر أننا توجهنا في انتخابات 81 إلى بيت شآن
فبصقوا علينا
وطردونا
ورموني بحق من المقهى
الانشقاقات التي حدثت في النسيج الاجتماعي داخل إسرائيل خلال سنوات الهجرة الكبيرة
بين الأشكناز الأصليين والشرقيين المهاجرين
ظهرت بشكل صارخ في انتخابات 81؛
التي كانت واحدةً من أكثر الانتخابات عنفاً وصداميّة في إلبلاد
المارد العرقي خرج من الفانوس
أمام جمهور غاضب كان يهتف: بيغن بيغن
قال (موطى جور): سندعس عليكم كما دعسنا على العرب
موطى غور: رئيس جيش الأركان في حرب 67* وعضو كنيست لاحقاً عن حزب العمل
ومثلما لم يساعدهم الصراخ.. ودعسنا عليهم فلن ينفعكم الصراخ أنتم أيضاً. وسندعس عليكم
المعراخ فقد السيطرة وأهان أنصار الليكود الشرقيين
دودو طبوز: زعران الليكود تشخ تشخيم
هم أصحاب رتب دنيا هذا إذا كانوا يذهبون إلى الجيش أصلاً
أعتقد أن بعض الناس فهموا ما قصدت
لم أقصد أبداً يهود الشرق.. حقاً
…..
حتّى الصباح لم أسمع كلمة: تشخ تشخيم
ولم أعرف ماذا تعني
الآن سأقول لدودو طبوز عمّن كان يتحدّث؛
عن أبنائنا الشرقيين الذين كانوا مقاتلين شجعان
أشكنازي.. عراقي.. هم يهود.. إخوة محاربون
في وادي صليب الفهود السود وانقلاب ال 77؛
لم يكونا ظواهر سريعة الزوال
في انتخابات 81 اتّضح أن الشعور بالعزلة لدى الشرقيين لم يزل بعد
والاحتجاج العرقي انبثقت من جديد ضدّ حكم الليكود الذي نُظر إليه كحركة تحرير اجتماعي ومساواة
عندما دخلت شاس للساحة السياسية في 1984؛
حلّق الاحتجاج العرقي على أجنحة الدين والتقاليد اليهودية
العودة إلى الجذور ستأخذ طابعاً عرقيّاً-دينياً
شاس ستظلّ المستضعفين تحت كنفها
وستسعى وراء الأغلبية من يهود الشرق
هنا ولدت وهنا أنجبت أطفالي؛ وهنا سيولد أحفادي أيضاً
هنا أنا مزروع عميقاً في هذه الأرض رغم أنهم لم يسقوني جيّداً؛
ولم أحظ بماء كاف وكبرت يابساً
لكن رغم كلّ ما ألمّ بي هذا ما أنجزته وأنا سعيد بما أنجزت حتّى الآن
حلم تكامل إسرائيل الأولى والثانية تحقق بصورة جزئيّة؛
فالغضب لم يزُل
أنا لا أعتقد أنّهم رأونا كبشر كاملين وحقيقيين
لا تفارقني هذه الأمور
أنا لا أعتقد أنه يفارق ابنتي حتّى من خلال حكاياتي لها
الحساب لم ينته بعد
وعندما أقول: حساب فأنا لا أقصد أعمال الشغب أو ما إلى ذلك
الإشكاليات يجب أن توضع على الطاولة
أو هذا لن ينتهي أبداً
إذا هدأ الشارع؛ فالمثقفون سيقطرون سمّاً
!..هذا لن يمّحي
.انتهى

(79)

اشتراك
تنبيه عند
guest
0 تعليقات
تعليق مضمن
اظهار كافة التعليقات